كريم نجيب الأغر

211

إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام

إضافة إلى ذلك فإنّ فعل « جعل » يأتي بمعنى « خلق » ، جاء في لسان العرب « 1 » : « جعل : . . . وجعل خلق . . . وقوله تعالى : وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ [ الأنبياء : 30 ] أي خلقنا » . فإذا أبدلنا فعل جعل بفعل خلق أصبح معنى الآية : ثم خلقناه نطفة في قرار مكين ، وبالتالي فإن الآية السابقة تشير إلى أن الإنسان يخلق ابتداء نطفة ويوضع - وهو يتخلّق - في الرّحم ، فالخلق لم يتوقف منذ أن ابتدأ في قناة فالوب ( كما أشرنا إليه سابقا في مبحث « انفلاق النطفة والازدواجية في التركيب » ) عند تخصيب الحيوان المنوي للبويضة إلى أن يصبح فيما بعد علقة في الرّحم ( أي في القرار المكين ) . ومن المهم أن ننوّه إلى أنّ اختيار فعل « جعل » له دلالته ، فلو صغنا الآية بفعل « وضع » أو فعل « خلق » لما استطعنا أن نجمع بين المعاني المختلفة وأن نوصل إلى القارئ المعنى المزدوج ، وهذا من الإعجاز البلاغي للقرآن الكريم الذي جاء على لسان الرسول الكريم صلّى اللّه عليه وسلّم حيث قال : « بعثت بجوامع الكلم » [ أخرجه البخاري ح 13 ] . ومن المعجزات الإخبارية أيضا : إشارة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بطريقة غير مباشرة إلى أن مخرج قناة فالوب الذي يتصل بالرحم يقع عند هاوية وإلا لما وقعت النطفة في الرحم بل لدخلته . وبعد هذا كله ، نستنتج من الحديثين : « . . . إذا كان حين الولد اضطربت العروق كلها . . . » [ أخرجه الحكيم الترمذي ح 22 ] و « إذا وقعت النطفة في الرحم . . . » [ رواه الطبري ح 32 ] أن عملية اضطراب العروق وبالتالي عملية التقدير تقع خارج الرحم ، لأن في الحديث رقم 22 إشارة إلى أن عملية الاضطراب تقع « إذا كان حين الولد » أي عند تخصيب البويضة ، والتخصيب كما أشرنا إليه سابقا في هذا البحث يقع خارج الرحم في قناة فالوب وفقا للحديث رقم 32 « إذا وقعت النطفة في الرحم . . . » . والحديث رقم 23 يشير إلى نفس الحقائق التي تحدّث عنها الحديثان رقم 22 و 32 مجتمعين من اضطراب العروق خارج الرّحم ولكن بلفظ أكثر وضوحا : - فالنطفة التي يخلق منها الولد : [ دلالة على أن عملية التخصيب قد حصلت ] .

--> ( 1 ) لسان العرب لابن منظور - مادة « جعل » - ( ج 2 / ص 301 ) .